عودة في رمضان، والحديث شخصي

قياسي

مرحباً بكم أصدقائي..

أعاود الكتابة، بعد انقطاع طويل، في مدونة بسيطة شخصية التوجه، بشرية الطابع.

عندما أفكر في أول ماسيخطر على عقل قارئ هذه الكلمات، سأتساءل، لماذا العودة؟

نعم..

ربما هي العودة للذات، أو محاولة الحديث بوعي، أو مراجعة للأفكار، أو لمس ماشعرنا بجماله وافتقدناه وبالأصح هجرناهالكتابة.

سحابات، وأفكار، ونبع من مشاعر التحدي والاندفاع، هي مااتذكره كلما راجعت نفسي، واسترجعت أيام التدوين، والانشاد، والصوت، وتحدي الواقع السيء بالشكل الغني بالعمق والإنسانية، إنها أيام حمص والنزوح الداخلي فيها.

لقد تغيرتُ ياأصدقائي، بالأصح تغيّرَتْ بعض الأمور لدي، أو وجدت نفسي تغيرت دون علم ووعي مني. لاأحد يُلام على ذلك سواي.

الفترة التي كنت منقطع فيها، حققت بعض احلامي، خسرت بعض الأمور التي أعلنت أني لن أساوم عليها.

في الفترة التي أُخرجت من منزلي، وضعت لنفسي ثلاثة أمور أنا بحاجتها، على الشق النفسي والفكري..

تقوية لغتي الانكليزية، وحققتها ولله الحمد، بواسطة صبر ومداومة وجهد، بدأ بوريقات كنت اكتب عليها كلمات واحفظها واعيدها بينما انتظر زبوناً يأتي لأبيعه مولدة كهرباء في أحد أحياء حمص، مروراً بدراسة لتقديم امتحان معياري، انتهاء بفترة انقطاع عن هذه اللغة في بلدٍ لايتكلم إلا التركية، انتهاءً بعودة للانكليزية وبذل جهد عليها.

هدف آخر، الحب والارتباط، والحمد لله، تحقق ولم يبقَ إلا التشبيك النهائي، بدأ الأمر بحب، ومرَّ بتحديات جسيمة، ويستمر الدرب الذي أُعِدُّه مدرسة جميلة، ولابد لهذه المدرسة من شريك يستحق البذل.

تكلمت كثيراً عن نفسي.. هذا ماأشعر به، وأريد أن أنتقل لشيء، سلبي جداً عشته..

حسب ماأذكر، كتبت بتدوينة عن نظام العمل في هذا العالم المادي، الذي يجعل الناس مكنات مادية تنتج وتستهلك، في دائرة لن تنته. وكتبت، أني لن أعمل لعشر ساعات أو اكثر، واُنهك في العمل والمواصلات، وتضيع كل اوقاتي على روتين سيقتلني. وكتبت أن هناك وقت واجب على الانسان تحصيله ليستطيع القراءة، ممارسة هواية، تطوير نفسه مهنياً.

للأسف الشديد، لقد خذلت نفسي، لقد أهدرت حقها، ووضعت افكاري في دفترٍ لم أفتحه طيلة هذه الفترة.. طويته إلى أن رجعت إليه في الفترة الأخيرة.

كثيرُ من الكلام مرةً أخرى.. لكني سأتعجل الخلاصة.. أستميح القارئ عذراً..

عملت في المجال الذي أحب، الصوت، والتقديم الاذاعي، دخلت عالماً طمحت وأنا في حمص لدخوله، وتمكنت بعد جهد أن أدخله وأنال فرصة ممتازة لشخص ذو خبرات وتعلّم ذاتي..

اذكر جيداً أول لحظات ظهوري على الهواء مباشرة، كانت لحظات للذكرى..

مع ذلك أريد أن أشارككم افكار سريعة:

دائما هناك عقدة بين الأكاديمي والآتي للمهنة من غير الطريق الأكاديمي، وللأسف يبدو أن العلم علمنا أن نكون مترفعين، أكثر من أن نكون متعلمين. كنت أكاديمياً في طريق الهندسة وليس الإعلام، لكن تلك العقدة موجودة حتى في طريق الاعلام الاكاديمي الذي يُعتبر سهلاً وبسيطاً مقارنة مثلاً بطرق الهندسة أو الحقوق أو غيرها، لكن لابد للمتعلم أن يؤكد على ترفعه العلمي، ولو كان خاوياً علمياً حتى فيما تعلمه.

لدينا جهل كبير، أحد أنواعه، جهل بالآخر:

عندما بدأت التدرب والتسجيل في مجال الصوت، عرضت ماسجّلت على أحد المواهبالصوتية المصبوغة بطابع ديني، قال لي يومها، ابتعد عن مجال الاخبار، لاتناسبك. أقول لكم لاتسمحوا لأحد أن يضع لكم خطوطاً محرم تجاوزها، على الأقل جربها. كتجربة، فبعد قرابة سنتين، اصبحت بارعاً في مجال التقديم الاخباري، وصديقي الذي استشرته مازال ينسج على نفس التونالصوتي الديني.

عندما دخلت العمل، كنت مندفعاً، متحمساً، لكن أحذرك من بيئة العمل، والإدارة بشكل خاص.
إن كان العمل قائم على الكمية لاالنوعية، أنصحك بالتحضير لمغادرة عملك، إن كانت بيئة العمل تشكو الركود، وطرق في تسيير العمل ملتوية لتحقيق هدف، أو تعجز عن تحقيق أهدافها التي تضعها، اعلم أن عليك ان تغادر عملك وبسرعة. إن كنت مندفعاً وتنجز، فتجد الادارة تنذرك لخطأ ارتكبته، لاتقدر اندفاعك وتتبع اسلوب التقليل من شأن ماتنجز لكي تضغطك لتزيد انتاجك، إن كنت تنجز وترى أن الادارة لا ترى ماعملت إلا إذا أتيت إليها وقدمت لها ذلك (كالتلاميذ في المدارس) فاعلم انك تظلم نفسك، حضر للمغادرة.
إن أصبح عملك من اجل تأمين المال، فقط أصبح هذا هدفك، أنصحك، ان تقف وتضع حداً لهذه المأساة.

للأسف، كل ماذكرته لك سابقاً، وقعت فيه، اخطأت فيه، بحق عملي، وإنجازه، أو بحق نفسي وخططي المستقبلية.

أكثر من ذلك، لقد وقعت فعلياً في يوم عمل عبارة عن عشر ساعات بين دوام فعلي وتنقلات، واصبح يومي عبارة عن روتين عمل، مكنة، ليست واعية لشيء، وهنا خذلت كلماتي التي كتبتها في تدوينة سابقة ووقعت في الفخ الذي افتخرت يوماً أني لن اسمح لنفسي ان تقع فيه.

في النهاية، جاءت لحظات عجافعلى مكان العمل مالياً، وأصبحت الآن بلا عمل لفترة تقارب الشهرين وعشرة أيام.

استفدت بالتأكيد من فترة العمل تلك في رفع رصيدي من الخبرة، في تأمين شيء من المال يقيني سوءة هذا الزمن، وربما في أن أعيش تجربة تدفعني لمثل هذه الوقفة والتأمل.

لابد أن أكتب، ولشيء من هذا كتبت، أطلت كثيراً، وساتوقف لعلني استجمع قلمي، واكتب مرة ثانية، ولاتنسوا أنني فقدت شيئاً من لياقة الكتابة، فتقبلوا كلماتي.

شكراً لكم.

نشر الغسيل..في شبكات التواصل!

قياسي

كيف الناس تنشر غسيلها!

للتذكير بداية، فإن نشر الغسيل يختلف ـ بوجهة نظري ـ عن المقولة العامية نشرو غسيلهن الوسخفنشر الغسيل يعني نشر خصوصيات أمام الناس 🙂

هذا ماقالته أمي صاحبة الفطرة السليمة ـ حتى الآن! ـ تجاه مواقع التواصل الاجتماعي.

أمي ربما تكون متأخرة جداً في اللحاق بالركب العالمي المستهلك لمواقع التواصل الاجتماعي، لكني عند شرائها هاتف جديد ساعدتها في إنشاء حساب على الفيس بوك، وكان قصدي طبعاً أن تجد مايسليها، ولكنها عندما بدأتْ بمطالعة الأقرباء وماينشرونه في حساباتهم من صور وتعليقات عليها وذكر لأماكن تواجدهم ومع من ولماذا وماشعورهم، إضافة لقدرتها على رؤية مايقوم بمتابعته ورؤيتها لتواصلهم مع الآخرين والإعجابات ﻻيكاتالتي يضعونها على الصفحات والحسابات وصور الآخرين…. تفاجأتْ

أمي شعرت بالحيرة والضياع نوعاً ما أمام هذا الكم من الأخبار الخاصة بالآخرين، فتستغرب لما تضع إمرأة صورة مع زوجها في مكان ما خاص، أو صورة لأطفالها وزوجها وهي تتغزل بهم وبأبيهم، أو ترى صور بنات بجلسات خاصة وكذلك ترى مايقومون بمتابعته ومايعجبهم وووو

أمي قالت: ماحبيت الفيس بوك، كلو نشر غسيل. وقالت مرة أخرى وهي تتصفح: ليش هيك! ليش يفعل الناس هذا؟

صدمة هي إذاً، تلاها قرار بمغادرة الفيس بوك بعد يومين فقط من دخوله.

استغربت قليلاً قرار أمي، ولكني شعرت أنها ذهنياًسليمة أكثر مني، أنا الذي عشت مايقارب خمس سنوات في هذا العالم مع سعيي للحيطة ووضع حدود لهذه المواقع.

مازلت أنا ـ المنغمس في هذا العالم ـ ﻻ أجد مبرراً وﻻ مسوغاً للكثير من الحالات التي أصفها بالغير متزنة والغير مبررة واللاطبيعية.

ودعوني أضرب أمثلة لكم:

إن قرر زوج أن يأخذ زوجته لمكانٍ ما، فلما علي أن أرى أنه يريدـ لم يذهب بعد ـ الذهاب إلى المكان الفلاني ـ مطعم، مول، مسرح، ووو ـ مع زوجته التي يضع اسمها!؟ لما؟ لم يضع تعليق على هذا الحدث ليقول لها أنا آت لآخذك! لما؟؟ لما تقول له انا جاهزة وبانتظارك؟!؟ لما؟ حبيباتي هذا امر خاص بينك وبينها.. أنتم زوجين! لما على مايقارب الثلاثمئة شخص ـ وربما أكثر بكثير ـ أن يروا أين ستذهبون وكيف ترتبون وتتواعدون؟! .. هل يمكن لأحد أن يفسر لي أين وصلنا؟

لما تحتفل امرأة بعيد ميلادها مع زوجها أو حبيبها، ويأتي صديقاتها ويحتفلون، فلما تصورين لحظة إشعال الشموع، ولحظة اهداء حبيبك هديتك لكِ، ولحظة تفاجؤك بهذه الهدية، ولحظة عناقك مع حبيبك، ولحظة إطفاء الشموع، وتضعين فوق هذا تعليقك: “حبيبي، انتي عندي الدنيا كلها“. ممكن افهم ليش؟! يعني قلتي أكيد لحبيبك هذا الكلام معه.. أليس كذلك؟! طيب وشاركتي هذه اللحظات مع حبيبك وصديقاتك وعائلتك، فما مبرر أن تري كل من على قائمة أصدقاء الفيس لك ولزوجك هذا الحدث؟!

أنا أقول لكم.. يمكن أن يكون الجواب: “بدون سبب، يعني شيء جميل وأحببت أن أنشره، الموضوع بسيط ولاداعي للتدقيق فيه“.

نعود للأمثلة، فما مبرر إن شعرت بالحب والعشق مع حبيبتك/حبيبك، أو شعرت بالسعادة أو اليُمن أو شعور ﻻيوصف في صباح برفقة زوجتك/زوجك 😉 أن تضع/تضعي ذلك وتخبريني به ؛أنا ومن يتابعك على الفيس وتويتر ووو ؟ أظن هذا أمر خاص بكم ؟! أظن! ربما أنا مخطئ فهذا العالم يقتات ويملك المليارات بنشر خصوصياتنا.

ربما أنا متأخر عن الركب والتطور، فلغة العالم اليوم أصبحت أن علينا أن نشارك هذا الشيء، وننشره، وهذا شيء جميل … فلمَ لانشاركه على صفحاتنا؟

ممكن أن تفهمني إن وصلت لمطار أو مسرح أو حديقة …. مع حبيبتك! زوجتك! سمها ماشئت، لما تضع صورة لك وأنت تضمها على الفيس وانستاغرام ؟ أو أماكن مشاركة أخرى طبعاً! يعني ممكن أن أفهم أنك تصورت وأرسلتها لأمك وأمها وأبيك وأبيها، لأعز أصدقائك وأعز صديقاتها.. تمام أنا متفهم، لكن! لما عليك مشاركة هذا الأمر مع مئات؟! أكيد هؤﻻء المئة ليسو عزيزين عليك ومقربين 🙂

أنا وجدت صعوبة، وماأزال، في فهم هذا الدافع النفسي الذي يرغبنا بمشاركة لحظات خاصة مع كل الموجودين على حساباتنا الشخصية، والحمد لله أن البعض يفكر قبل أن ينشر صور للحظات حميمية مع الشريك، ولو أن البعض لديه أيضاً حب لنشر لحظات مثل هذه ، فربما صور الشريكان يديهما خلال لحظة حميمية أو قطعة ثياب منزوعة أو صورة ليد الشريكة ولكن يبدو أنها التقطت أثناء الممارسة الجنسية!
هذا هو عالم اليوم! بل أكثر. وأنا ﻻأستطيع التأقلم مع هذا الكم الهائل من الصور والكتابات الشخصية. ﻻأستطيع لليوم، ومع ذلك فقد حاولت عدة مرات، أن أنشر نشاطاتي، أماكن تواجدي، ولو كان تواجدي أو نشاطي أمر روتيني، لكن أنشره محاولة لتجربة هذا الفعل على شبكات التواصل الاجتماعيلكن فشلت في الاستمرار، في مشاركة كل شي مع الجميعفي إيجاد سبب يرضي نفسي لأستمر في هذا الفعل.

ربما من يقرأ كلماتي يقول لي: “.. أنا الحمد لله ماوصلت لهذه المرحلة، لكن إي نعم ربما أنشر بعض اللحظات وﻻأجد في هذا الأمر غرابة بل فيه شيء من التوازن
أقول لك صديقي، المبدأ نفسه، أنت ﻻتملك مبرر لتصرفك، بل تملك دافع ـ ﻻتعرف سببه وﻻ تفسيره ـ يدفعك لمشاركة أمور شخصية مع المئات، وربما الآلاف.

عندما صورت وكتبت وشاركت، هل سألت مالغاية؟ ربما تأتيك تعليقات الله يخليكن لبعض، أحلا أبو فلان، يييي حبيبتي كل عام وإنت بخير.. ماأحلاكن سوا.. بتجننو، ﻻيك، فافوريت، قلب، ابتسامة، وجه حزين…. ربما وﻻشي

سألت نفسك مامعنى هذه العبارات؟ ولما دقائق مع حبيبتك أو زوجتك أو أهلك أو أعز أصدقائك لم تنسيك أو تنزع منك هذا الفضول لنشر هذا الشيء.. أسألت إن كان تركيزك وتمتعك واستشعارك لتلك الدقائق في أفضل صوره؟! هل سألت لم لم تكتف بوجودهم وتشاركك الحقيقي معهم؟ هل شعرت ان هناك على الأقل برامج تراسل بينك وبينك حبيبتك وزوجتك أو أصدقائك الأعزاء أو عائلتك، يمكنك أن تشاركهم فقط هذه اللحظات الخاصة؟! أو تطلب من حبيبتك أن تنزل من البيت لأنك آتٍ لتأخذها!

حاولت البحث عن دراسات حول دوافع مشاركة كل ﻻشيءمع كل الناس، لم أجد ﻻفي اللغة العربية وﻻفي اللغة الانكليزية، سوى تلك التي تتحدث عن وجود اضطراب نفسية عند من يلتقط صور Selfie لنفسه، او أثر الفيس بوك في زيادة تعاستنا، او في قدرة وسائل التواصل على تفريغ الضغط النفسي لدى النساء!. لكن لم أقع على دراسة نفسية تخبرني مالدافع الذي يجعلنا نستخدم شبكات التواصل بهذا الشكل.

إن كان لديك شيء تفيدني فيه.. فيدني الله يخليك، ربما أريح عقلي شوي 😛

بالأخير مابعتذر اذا حركت شي جواتك 🙂

مرضان

قياسي

أول شي بالنسبة لمن قرأ العنوان وفكّر إني مرضان، فالحمد لله أنا بخير 😀 ، الكلمة مَرَضَان، وقصدت فيها مايعانيه نوعين من الناس من سلبيتين في البناء الفردي ..
ولأدخل بجدية في الموضوع ..

مرضان فكريان يشترك بهما ـ وللمصادفة ـ طرفي نقيض، المتبعون للدين بشكل متشدد، والمتبعون للعقل المتشددون و بتصنيفاتهم المختلفة.

أولهما ، الكبر والاستعلاء، وثانيهما الاتباع.

الطرفان يشتركان في الكبر والاستعلاء على الآخرين والمخالفين، كل منهما ينظر لنفسه كأنه حامل الحقيقة والنور، والآخرين قابعون في الظلام والتخلف والجهل، كلاهما ينظر لنفسه كالعالِم، المتزن، القوي (فكرياً)، القابض على الحق، الساعي (في الطليعة طبعاً) بجد على طريقه، يخطو الكثير من الخطوات في طريقه، بينما ـ وياحسرة ـ الناس المخالفين مازالو في رجعيتهم، في الصفوف الخلفية، في عتمتهم. بالتأكيد ينظر بطرف عينه إلى أولائك المساكين المتوجب عليهم اتباعه. الطرفان يشتركان أيضاً بالاستخفاف بمالدى الآخر، العقلاني يستخف بالمتدين، ويستخف بكل من وُجد على طول التصنيفات بينه وبين المتدين، والمتدين يستخف ويهاجم العقلاني وجميع من وُجِد على طول التصنيفات بينه وبين العقلاني…. فهو في المقدمة الساعية للنور، والناس مازالو جهلة.

المشكلة هي عندما يغير المتدين في أفكاره، عندما يغير العقلاني في أفكاره، وربما اتبع ماكان يستنكره ويستخفه، يتبع ماكان لدى الآخرين، ليقوم من جديد بالاستخفاف بالآخرين! وكأن شيئاً لم يكن، وكأنه لم يفق على نفسه من عنجهيته.

كلاهما يدعي امتلاك القناعة الراسخة و الأدلة (باختلاف أشكالها) المؤدية لصوابية رأيه، ودعوني أقول لكم: إن امتلاكك لقناعة، وإن كانت ـ بالنسبة لك ـ مدعومة بالأدلة والبراهين، غير كافية لرفض مالدى الآخر وتخطأته ورفع رصيد صوابيتك.
ولأؤكد: احترم الآخر، من المؤكد أن لديه شيء من الصوابية (على الأقل 😉 )

المرض الثاني، الاتباع:

كلاهما يتبع مايقرأ، كلاهما ينبهر برأي، وموقف، وكاتب، و عالم” (بما أن لدى الطرفين علماء)، وكلاهما يتبع بشكل غريب! العقلاني والمتدين يتبعان فعلياً بعقليهما، و كلاهما يتبعان بزخم قوي، يرفضانه من الآخرين! ويرفعان شعار سوءة التقليد، ليقعوا هم فيه. هو اذاً الاتباع، وكلما غيرو موقفهم نفروا من الموقف السابق، نقدوه، واتبعو الخط الجديد الذي اكتشفته بصيرتهم التي مازالت مطمسْ عليها لدى الآخرين، وهنا يبدأون بمناداة الأتباعـ بنظرتهم للآخرين وليس لأنفسهم! ـ للانخراط في الخط الجديد، يبدأون الدعوة للنور، وياحسرة على المساكين المتخلفين (لسانهمياريت يعي أؤلئك جهلهم).. وينسون جهلهم في الاتباع، وفي تقديس المنهج، وفي غفلتهم عن خطئهم هذاوربما الكِبر هو من يعمي.

شعرت أن هاتين الصفتين دفينتين لدى البعض وربما لدي أو لديك صديقي القارئ، وعلينا الوعي بهما، فشاركتكم، علنا نهدأ، ونعي.

شكراً لكم 🙂

لنعترف بـ “النفس”

قياسي

يحتل الشق النفسي داخل كلٍّ منا حيزاً مهماً ومؤثراً في الكثير من طباعنا وأفكارنا ومواقفنا وعلاقاتنا . ورغم هذه الأهمية فلاأزلت أعايش حالات مستمرة من غياب الالتفات والعناية بهذه النفس، سواء كانت هذه العناية من قبل كل إنسانٍ منا بنفسه، أو كانت وعياً وعناية مجتمعية تولي الأهمية الكافية لهذا الجانب.

أعتقد أن بعض طباعنا متأثرٌ بعوامل نفسية سواء تلك التي عشناها في طفولتنا أو أثناء نضجنا واحتكاكنا بمواقف حياتية مؤثرة، ويترسخ تأثير هذه العوامل في ذاكرتنا اللاواعية وتبقى تنتج تلك الطباع. هناك طباع ظاهرة كغضب أو كتمان أو انطواء بشكل حدّي، أو كانت تفاصيل ربما لانعيها ملتصقة بطباعنا كعدم استلطاف الناس بسهولة أو عدم تقبل نوع محدد من الحياة. وربما من الجيد أن نراقب طبائعنا وكذلك أفكارنا وعلاقاتنا وأن نعترف بها كأول خطوة، ثم نبحث عن جذورها وأسبابها ولو استدعى ذلك الرجوع بنا إلى سنين الطفولة.. وهذه طريقة أظن أنها جيدة وﻻتتطلب كثير عناء أكثر من خلوات مع النفس، وستكفل نجاحاً بنسبة جيدة، أتحدث رغم أني غير متخصص نفسي ^_^ لكني جربت مثل هذا.

الامر الأهم الذي لطالما أستغربه من مجتمعنا ، هو غياب التسليم والاعتراف بتأثير النفس على الكثير من المجريات المجتمعية، سواء تلك الشخصية أو الثنائية بين زوجين أو صديقين أو الأوسع كالأسرة أو التي تشمل مجتمعاً مصغراً ما. على أرض الواقع، نحن ﻻنستوعب الجانب النفسي منها، بل نهمله ـ ولو علمنا عنه شيئاً ـ مدّعين اتباع المنطق أو الأخلاق أو تسميات كثيرة، وتتم معالجة مشاكلنا على هذه الأسس، وبنظري تتم معالجة مظاهر هذه المجريات وليس دوافعها والعوامل التي ساهمت جداً في الوصول إليها.

إلى اليوم، الطبيب النفسي هو آخر مانفكر به، ونستغرب إن شجعنا أحدهم على زيارة طبيب نفسي لأننا فوراً وبشكل ﻻإرادي نسلّم بأننا سليمون نفسياً، بل ربما حتى المثقفون والأكادميون سيستهجنون هذا الطلب منك لأنه مرتبط عندهم بالجنون.

رجاء، الإنسان مكوّن من جسد وروح، نداوي الجسد ونهمل الروح وﻻنفهمها لليوم، أو يتم التعامل مع دوافع وتصرفات الإنسان بشكل إما عقلاني بحت فنطبق أحكامنا المنطقية على حالات بائن تأثير الشق النفسي فيها فيكون تعاملاً مباعداً لملامسة الجذور ولو عالج النتيجة، أو يكون تعاملاً عاطفياً بحتاً فلاتتم معرفة حقيقية للنفس وﻻتتم معالجة للنتائج حتى.

ربما ﻻبد من هدوء واتزان عاطفي وعقلي لاستيعاب دواخلنا أولاً، ومن ثم نحاول أن نتداركها ذاتياً أو أن نلجأ للاختصاصيين إن شعرنا بصعوبة في ادراك حقيقة داخلنا.

ﻻبد أن ننتبه لتأثير “النفس” على الكثير من تفاصيل حياتنا الشخصية أو الأسرية أو المهنية.
رغم تطور العلم والطب والخبرة البشرية، لازلنا في مجتمعاتنا نغفل التعامل مع “النفس” .. بل أستغرب كيف ﻻيُعترف به.
لليوم مستهجن ـ حتى من المثقفين عند ساعة الحقيقة ـ أن يقترح علينا أحدهم زيارة طبيب نفسي. ولليوم في الخلافات أو اشكاليات الحياة أو الكثير من المواقف الحياتية.. ﻻنعطي أدنى انتباه للجذور النفسية خلف مايحدث.
الإنسان جسد ونفس، وأن نتعاما عن النفس داخلنا أو داخل الناس المحيطين بنا.. يجعل حياتنا مع مضي الوقت أكثر تعقيداً خاصة في هذا العالم المفرط في المادية.

حرب باردة داخلية

قياسي

حرب

تلك التي تحدث داخل إنسانٍ يعيش حرباً لتغير معالم الفكر والذاكرة والقلب.

أظن بعد ماعايشته أن للحرب أثراً أعمق بكثير من الأقوال التي يتداولوها الناس ظاهراً، بل إنه أثر يحفر وينقش في مساحة الفكر والقلب والتجربة الإنسانية الشيء الكثير. يعيش من عايش الحرب بوعيه أو ﻻوعيه الكثير من الحروب التي تدور داخله أكثر من تلك التي تدور رحاها في ساحات المعارك وتزهق أرواحاً وتجري دماء. إن للحرب التي أتحدث عنها آثارها في تغيير الإنسان الذي هو لبنة مجتمع والذي يصبح أساس دولة.

الحرب التي عايشتها هاجمتْ القواعد التي تعاملتُ مع الحرب على أساسها، وخاطبتْ العقل الذي اعتمد هذه القواعد ودكّتْ القلب الذي أعطى العقل مشروعيته بقذائف التجارب المرة.

خاطبتْ العقل بتساؤلات ووقائع ترتبط بشكل مباشر بأسس القيم والدين والأخلاق والوعي الفكري والمنطق الشخصي. تخاطب بوقائع عن سقوط الأخلاق عندما تمثلت بتصرفاتِ من وضعناهم في منازل الخلوقين، ووقائع عن فشل مشاريع عقدية لمن اعتقدنا وأيقنا بصفاء ونبل وقوة وجدارة هذه المشاريع و أصحابها، ووقائع عن مكانة الأخلاق والقيم في عالم يعترف بالمادة في المقام الأول، ووقائع عن فشل وعيِيَ الفكري في التقاط علامات واشارات ظهرت طوال معايشة الحرب لكن قصور الوعي وضعفه ساهمت في عدم ملاحظة هذه الوقائع والتعاطي معها بالشكل المطلوب، إضافة إلى وقائع تربك المنطق الشخصي (الفكري القيمي) بين اعتقاد بحتمية نتائج أو أحقية تطلعات ونتائج مخالفة وضياع تطلعات.

تخاطبك الحرب بتساؤلات عن معنى الأرض التي عشت عليها وقيمتها: هل أعطتك مثلما تدعي؟ هل التضحية في سبيل الأرض عملً منطقي؟ وإن كانت كذلك قيمياً فهل هي كذلك وفق معطيات ومبادئ هذا العصر؟ وإن كانت قيمة محققة فعلاً في عمل الفاعلين، فلماذا تغيب فعلياً عن عقول الناس؟ ولماذا تغيب أمام الدين مثلاً أو أمام الثأر .. أو أمام الواقع الذي يفرض التخلي عن الأرض والبحث عن أرضٍ أخرى؟ وهل من تركوا أرضهم بحثاً عن أرضٍ أخرى تخلو عن قيمة الأرض؟ بالتأكيد ليسوا أول من فعلو ذلك وبالتأكيد عندما غادروا أرضهم غادروها متناسين غصباً معنى الأرض.. الحروب تشهد بالكثير من هؤﻻء التاركين لأرضهم. لذا وبعد أن تركوها لأرض أخرى.. ماجدوى التعلق بأرض الماضي بدل أرض الحاضر؟ لكن البعض بقي متمسكاً بمعنى الأرض رغم كل ذلك وبقي يدافع عنها .. فماجدوى دفاعه عنها إن اضطر إلى تركها بعد حين مرغما أو أزهقت روحه عليها واحتلها أعداؤه.. أين جدوى القيمة التي حملها؟ أن يكتب مدافعاً عن الأرض؟ ربما سيكون منسياً، وربما سيُلام من البعض الذين توصلوا لقناعة عن عدم جدوى التعلق المثاليبقيمة الأرض! هذا مايحدث فعلاً على أرض الحرب، صراع وحرب في العقول تؤدي إما إلى الفاعلية الذهنيةحسب شعور من قرروا أن النجاة بالروح وإعمار أرض أخرى أفضل، في مقابل من يعتقد بفشل تلك العقول وانهزامها فكرياً مما يزيد صاحب هذا الاعتقاد تمسكاً أكثر بأرضه ولو كانت جميع المعطيات والدلائل تشير إلى هزيمته .. لكنه باقٍ!

هذه الحرب تدور في العقل .. بين طرفين ليس بالضرورة أن يكونا عدوين، لكنها حرب فكرية.. وأنا أشاهدها بعقلي وأبحث عن منطق ووعي جديدين للتعامل معها.

تخاطبك الحرب بتساؤلات عن الدين والإيمان والله. تخاطبك في ذهنك مشاهد وأقوال ووقائع لتقف محاولاً إدراكها قبل أي شيء. فلما يغيب الدين والإيمان والله عند بعض من عايشوا الحرب؟ تغيب بشكل كلي تام بلارجعة، إنه كفر بماسبق لأنه فشل في تبرير أي من معطيات الوقائع أو التعامل معها أو درئها، التعامل مع حرب فيها مظلوم وظالم أو درء عذاب إنسان يتمزق بماتجنيه عليه الحرب من دمار وفقدان وموت. يكفر بالإله الذي كان مؤمناً به، وبالدين الذي تربى عليه لأنهم فشلوا حسب معاينته، بل ربما لأن وعيه المتجدد تحت هجوم الحرب لم يعط أي مشروعية للإيمان السابق، الحرب تجدد وتصقل العقول بطريقة عجيبة وتدفعه للبحث عن مسالك وأجوبة جديدة، نعم تدفعه وتجبره إجباراً على الجديد لأن الماضي تهالك تحت ضرباتها.
لما يبقى الله حاضراً عند من فقد ابنه وداره؟ يدعوا من صميم القلب يالله“. ويستمر عناؤه .. وتستمر مناداته. لما لم يكفر هذا؟ لما لم تتهالك أفكاره تحت ضربات الحرب ولربما كانت أبسط من أفكار من كفر! فكيف بقي مؤمناً؟ أهو تعلق قلبي؟ أم عقلي؟ وهنا ستخاطبك الحرب بالرابط بين القلب والعقل! من يحوي الآخر؟ من يطغى على الأخر؟ هل تتمسك بمسالك العقل؟ أم تسمع للقلب؟ هل ستكتشف أن القلب يعقل؟ هل ستكشف أن القلب ربما أوعى من العقل! أم أن القلب سيبقى ضعيفاً مقارنة مع العقل ولذا علينا أن نسير في ركاب العقلانيين. وإن سرنا في ركاب العقلانيين وجددنا أفكارنا ومنطقنا وآليات وأدوات العقل، فلما نصل لمكان مسدود فكرياً؟ أو نصل إلى فضاء فكري غير مقيد لايستطيع العقل أن يدرك نفسه ومكانه فيه! فياترى سيكون هذا الفضاء موجوداً داخل القلب؟! أنا ﻻأتكلم أدباً بل أتكلم واقعاً لكن أحداثه لاتدور في شارع أو مدينة أو دولة، إنما أحداثه داخل الإنسان. لا مجال للمثاليات أو الأدبيات هنا.
ستخاطبك الحرب حتى بعقائد المؤمنين ومسالكهم التي اعمتدوها في التعامل مع الحرب، ستقول هؤلاء يستمدون مايسيرون عليه من المقدسو المعصومفلما يسقطون واحداً تلو الآخر!؟ لما يفشلون بشكل مدوي؟! كيف ينادون بالعدالة مثلاً ليصبحوا دكتتوريين عندما يتم التمكين لهم؟ كيف يحاربون لنيل حرية اعتقادهم ولكنهم يأسرون ويقيدون حرية اعتقاد الآخرين إن استطاعو أن يتحكموا بهم! كيف يدّعي جميعهم السير على المنهج الوسط والمعتدل والأحق؟ أيهم كذلك؟ أم هو احتكار للأحقية على حساب المؤمن الآخر؟! هل ذلك المقدس صافٍ بالقدسية؟ أم هو مرتبط بتراث المؤمنين السابقين؟ وإن كان كذلك فهل للسابقين فضل؟ وإن كان لهم فضل ففشل المسالك التي اعتمدوها يقع عليهم.. وهذا الفشل يكلف أرواحاً فهل يستمر الفضل؟ وإن كان المقدس صافٍ فهل فشله يعني فشلاً فيه أم فشلاً في حامليه ومقدسيه؟ هل هو فشل في العقول أم في المقدس؟ هل هو فشل في حركية العقل ليقدس شيئاً لم يطالبه أحد بتقديسه؟ كأن يقدس أدوات أقرها المقدس للتعامل مع وقائع وزمن بينما لاتصلح لزمان ومكان حرب اليوم! فكان الفشل من نصيب عقل المُقَدِّس وليس المُقَدَّس. أم أن الفشل في مكان ما غائب عني وعن المؤمنين.. هل يدلنا عليه المقدَّس ولكن وعينا اليوم قاسر كما ادركنا قسوره فيما سبق!؟

هل الأساس هو الإنسان؟ أم الدين؟ أم الأرض؟ لأنه وفي فترات ستهاجمك الحرب بمواقف عليك الاختيار بينها، ﻻمجال للقول أن الأرض سابقة للإنسان، فالكثيرين ساروا على هذا الدرب وأخيراً نجوا بحياتهم! ولامجال للقول أن الدين سابق للإنسان فالغالبية الساحقة من المؤمنين بالدين عندما حقت ساعة الحقيقة نجوا بحياتهم!. وستهاجمك الحرب بمن ضحى بحياته حماية للمعتقد والدين.. كيف ستتعامل معه!؟ أكان مثالياً أم واقعياً هذا الذي ضحى بنفسه؟! وستهاجمك بمن ضحى بحياته حماية للأرض، كيف ستتعامل وتواجه مرة أخرى؟!
من الصعب أن تتهرب من مواجهة هذه الحرب، أو على الأقل من الصعب على مثلي التهرب منها ، فالدلائل والحرب تخاطبني أيضاً عن أناس انسحبوا أمامها وهربوا من هذه المواجهة المنهكة. لذا أمن المحتم أن أواجه الحرب؟ و أي شكل لهذه المواجهة؟! هل ستكون مواجهة قيمية؟ كما يؤكد الكثيرين بأنهم متمسكين بقيميتهم وانتصروا على هذه الحرب لأقف واراهم راي العين .. مثاليين يخسرون في هذا العالم الغير مثالي البتة. أم واقعية تسليمية كما يؤكد الكثيرون أيضاً أن الحرب كسبت المواجهة القيمية لينصرفوا إلى الواقع ويتعاملو وفق مبدائه المادية. حتى هؤلاء الموقعين لصلح مع الحرب، يستمرون في رفع شعار قيمي! هل أضحك داخلي أم أستمر في التعاطي مع هذا الاستمرار باعتباره أحد مفردات معاهدة الصلح الأساسية التي وقعها أصحابها مع الحرب ليضمنوا إنسانيتهم أمام أنفسهم. هل قلت إنسانيتهم؟ هل تدخل القيم في الإنسانية؟ أم هل تصنع المعاهدات التي نعقدها داخلنا إنسانيتها الحقيقية الماثلة في الواقع المباعدة للمثاليات!

هل أشعر بالإثقال الفكري وأنا أسرد لكم ماأسرده؟ نعم.. ولكن تستمر الحرب بالمخاطبة..

من هو الواعي أكثر والمدرك لحيثيات الحرب وتفاصيلها؟ هل هو الجندي العنيد الذي يستمر بالمواجهة؟ أم هو المصالح الذكي الذي عرف معنى الحرب وتصالح معها؟

هذا عن العقل.. الذي سردت بعضاً من مشاهد الحرب داخله.

آه صحيح.. هل ماذكرت حرباً داخل العقل؟ أليست أيضاً داخل القلب؟ إن جاوب القلب بأحدها فسيكون مشاركاً فيها بالتأكيد. فالحرب أيضاً أنهكت القلب من فقدان أو معاناة أو تجارب حياتية تفرض ألاماً من أقرباء أو أصدقاء أو معلمين. بل ربما تضعك وتخاطبك بمسلك من علمك قيمة أو شجعك على عقلنة فيما زمان سلف لتجده أمام وقائع الحرب يتخلى عن قيمه أو يتناسى عقلانيته أو ربما ينقض عقلانيته بتصرف يدعي عقلانيته!.. عندها سيتأثر القلب، وسيتحاور مع العقل فيما تهاجمك به الحرب.

هل نعي أن القلب يجاوب بالوقت الذي نرى أننا عقلانيين؟

هل من الأفضل أن نسأل عن قيمية الحرب التي تدور داخلنا؟ هل من الأخلاقي والقيمي أن يدور ماأسرده.. هل القيم تقول بأن مجرد انجرارك لهذه الحرب لهو أكبر خسران؟ أم أن الوعي المتجدد والمنطق الجديد مرتبط بواقع يسحبك لتلك الحرب لكي تخرج منها منتصراً حتماًامممممم أحتمي هذا النصر؟ هل تستمر بالسماح للحرب أن تخاطبك وتستمر لأطول فترة ممكنة.. أم أن طول فترتها عامل إنهاك لك لتجد نفسك في نهاية المطاف مستسلماً؟

هل يرى أحدكم ضرراً من وجود الإنسان داخل هذا الفضاء الذي يعيد طرح أسئلة دون إجابات حاضرة؟ لأنه بالتأكيد سيكون في فضاء من غياب المسلمات التي عاش عليها حيناً من الدهر.

مراجعة كتاب “أوهام النخبة أو نقد المثقف”

قياسي

انتهيت من قراءة كتاب “أوهام النخبة أو نقد المثقف” لعلي حرب

الكتاب فكري بإمتياز واستمتعت بقراءته وفادني طرح الكاتب خاصة أن الكتاب هو ثمرة معايشة الكاتب بأفكاره مع نتائج وإفرازات الحرب اللبنانية الواقعية الفكرية، وهو لربما ماأعايشه اليوم من تأمّل وتفكّر في حال المفاهيم والأفكار والحقائق التي اقتنعتها بها يوماً لنجدها تتحطم على أرض الواقع، والحرب شرسة على مايبدو حتى على الفكر.

كتبت مراجعتي هنا لمن أحب
دمتم بخير أصدقائي

نور ذاكرة حيّة

قياسي

لكل إنسانٍ عمر سيقضيه.. ثم يغادر من حوله

لكل حالٍ عمر سينتهي فيه..ثم يزول لغير رجعة

لكل ذكرى عمر .. لكنها ولربما ﻻتنتهي مع مغادرة إنسان، أو زوال حال..

ربما يكون للذكرى صوت، في أعمق أعماقك..

ربما يكون للذكرى ألم، في تجاويف قلبك..

ريما يكون للذكرى .. روح .. ولو في المنازل الخاوية .. المهجورة .. المدمرة..

نعم..

كالكثيرين .. كنت أشاهد أفلاماً ومسلسلات، يبرع فيها الكتاب برسم تفاصيل الذكرى من مكان أو زمان.. ثم ليأتي المخرجون ليجسدوها صوراً أمامك.. يتحرك فيها إنسان في أنحاء بيت، بين نوافذه، أثاثه، ليتحسسها، يتأملها، يشاهد حياتها قبل أن تموت. بل ربما ينتقل الانسان إلى عالم تلك الذكرى وهو في عتمته أو طريقه أو خلال محنته، فيعيشها بتفاصيلها وأصواتها ووجوه من فيها.

أربع سنوات، أربع منازل..

فارقت منزلي الأول الذي فتحت عيوني فيه على صورة أمي وأبي بين جدرانه.. على وجه أخي .. وتعرفت فيه على أخي الذي يصغرني..

فارقته في الشهر الثاني من سنة 2012.. وتركته .. وتركت الكثير مما لم أدركه حين غادرته..

ثم عدت! في عام 2014..لأجد مالم أعيه في حياتي التي قضيتها في ذلك المنزل..

منزلي في جورة الشياح..

ذهبت لأشاهده.. أرى حاله

مضيت إلى البيت.. ووجدت نفسي في الشارع .. وجدت نفسي أتخيل جيراني وأخي وأنا.. نلعب بالكرة.. بنفس المكان الذي أصبح عبارة عن حفرة كبيرة من آثار الحرب..

صعدت إلى بيتي .. أصعد السلالم بين الركام.. ووصلت بيتي

دخلته.. أين بيتي؟ بين هذا الركام الأسود..أهذه غرفة الطعام؟ مستحيل.. غرفة اهلي؟ مستحيل..

فانهرت دون أن أعرف لم انهرت.. وتأملت ..
نار التهمته .. تخريب أصابه .. ولم يبقى إلا الجدران .. وفي الأرض صورنا التي نجت من النيران.. ليتولى أبي مهمة جمع كل الصور المترامية هنا وهناك.. أبي عاش وربى .. ويعلم معنى هذه الصور .. كما أعرفها اليوم ..
أسير على الركام .. أصبح للغرف الخاوية .. أصوات .. وداخلها بشر، إنهم عائلتي .. لقد كنا هنا منذ سنتين .. ولمايقارب الإثنان وعشرون سنة (عمري الذي أمضيته في بيتي الحزين الصامت)
أتتخيل أن تسير في بيت خاوٍ لترى نفسك تلعب مع أخيك وأمك بالكرة؟ في ممر البيت؟ وترى نفسك جالساً مع أخيك الآخر تتناول الافطار الساخن وخارج النافذةـ التي لم تعد موجودة ـ ركام الثلج؟
اتتخيل نفسك أمامك؟ تجلس على كنبة تطالع كتابك؟
أتتخيل حادثة جرت.. فركدت لباب غرفة أهلك تستدعيهم؟
أتتخيل التلفاز؟ نعم هذا المحطم .. كم اجتمعت وأهلك أمامه؟ إنه يتكلم.. يحدثك.. يفجر ذكرياتك.. لم يحطموه .. لقد فجرو معه معاني لم أعرفها من قبل..
كم ستتخيل؟ ماذا ستتخيل؟ قل لي..
الصور التي جمعها أبي ..يحضرها ككنز ليغسلها وينظفها .. ﻻتتكلم بكل شي..
ستتكلم كيف ابتسمت.. كيف لعبت .. كيف سافرت، كيف احتلفت، كيف وكيف..
لكن .. من سيتكلم؟ من يسير؟ من سيلعب ويقفز أمامكمن؟
إنها الحياة التي .. ماعادت تنطفئ داخلك..
ستتذكر صوت الركام تحت قدمك .. ستتذكر لقطات من الغرف التي دخلتها ولم تعرفها بسبب دمارها ..
ستشعر بعد أن تغادر هذا المنزل .. أنك لا تتذكر ماشاهدت!
بالطبع .. لأن حياة كانت تجري أمامك.. حياة لم تعيها بهذا الشكل الممتزج من الحنين، السكن، الدفئ، الحب، الخصومة، المعنىلن تعيها كما وعاها من سار على ركام بيته، لملم آثار حياته.. لن تعيها .. صدقني .. لإنني مثلك.. كنت أقرأ مثل هذا الكلام.. أشاهد مثل تلك الأفلام والمسلسلات والتقارير الإخبارية عن من حصل له ماحصل للكثيرين..
تعجز الكلمات .. وتعجز الروح عن الوصف.. بل عن أن تنقلك لعالم تلك الحياة التي أصبحت ذكرى حية.
قلت لكم أربع منازل، لقد انتقلنا بعد مغادرة بيت المنشأ.. إلى منزل مؤقت.. سنة .. امتلأت ألم وحزن وبرد واضطراب نفسي لم نعي مصدره .. سأقفز على هذه السنة .. ولو أني كلما ممرت بالقرب من هذا المنزل بدأت الصور تتبدى أمامي فأحيد عنها
المنزل الثالث .. قضينا فيه سنة، كانت أهدأ، الطف، أكثر حنية، في هذا المنزل عشنا مشاعر زيارة البيت الأول .. بيت الحياة
كل أفراد الأسرة .. عرفوا معنى منزل، بل، معنى أسرة، معنى حياة، وذكرى حية..
كلنا تعلمنا .. القيمة التي ﻻتعوض للحظات التي نقضيها سوية.. ولو حوت ماحوت من الصعوبات، فالصعوبات ذكرى حية غداً.. ولطول حياتك..
انتقلنا للبيت الرابع الذي نحن فيه.. ولكن شاءت الأقدار أن أتفقد المنزل الثالث إن نسينا فيه أي شيء..
كان خاوياً بالتأكيد.. ليس فيه حاجياتنا.. لكنه وللمرة الثانية .. كان منزلاً يصيح! يضج بالضحك، بالحركة، بالجلسات .. بأشخاص ينتقلون من غرفة إلى أخرى! كيف ذلك؟ أنا أسير بين الغرف واشاهد نفسي تتكلم إلى أخي؟ أخي يتكلم إلى أمي؟ أمي تناديني؟ إنهم في البيت الرابع!! كيف؟
كيف بي اسير لأشاهد المكان الذي أنام فيه؟ امسك التابأتمدد؟ أقلب فيه؟ أخي جالس على طاولة! يدرس؟
على هذه الكنبة .. أشاهد نفسي استيقظ من النوم عندما سمعت اسم أخي على لسان أحد مقدمي برامج الرياضة .. انتفض لأضم أخي..! كيف يحدث مايحدث أمامي؟ أبي ينظر إلي مستغرباً فرحتي.. إنه أمامي! .. تأتي أمي خائفة من صيحتي قبل أن أقفز فرحاً على اخي .. تستفسر عما يجري! إنها أمامي؟! كيف!؟
نعم.. على هذه الطاولة جلست مع أصدقائي .. تسامرنا.. ضحكنا .. نمنا، هنا .. إنهم أمامي..
البيت ليس لنا .. بل هو لأناس آخرين! كنت أعلم أننا سنغادره .. فلماذا ينطق هذا البيت أمامي؟ لماذا انقلب داراً للسينما يعرض مشاهد حياة؟ ذكرى حية؟!
كنت اسير .. أسمع صوت أقدامي.. وأسمع الناس يسيرون يتكلمون .. يحيون!
حتى بدأت أبحث في هذه المشاهد عن حياة من سكنو البيت قبلنا.. مابالهم؟ كيف عاشو؟ كيف فارق منهم حياته ليترك ذكراه لمن بقي بعده؟ كيف عاش من هم قبلنا ..
كيف سيعيش من هم بعدنا؟

كيف ستكون الذكرى؟ لي.. لهم؟
كيف ستكون حياة الذكرى؟
كم من بيت يعج .. بأكثر من ساكنيه؟

إنها بيوتكم أحبائي..
إنها حياتكم أصدقائي ..
ويبقى قلبي يفيض مع هذه الكلمات .. فيض حزن وحنين وغربة وحرقة قلب وفرحة أمل..
عيشو حيواتكم.. عيشوا ذاكرتكم.. إنها نور.